ابو الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي المغربي

153

الأنوار الباهرة بفضائل أهل بيت النبوي والذرية الطاهرة

ملحوظة هامّة : قد تعلّقت الشيعة بهذا الحديث مع حديث عائشة في طلب فاطمة ميراثها من أبي بكر وقوله لها : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله قال : « لا نوّرث ، ما تركناه صدقة » الحديث . وفيه : فغضبت فاطمة عليها السّلام فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت ، وهو في صحيح البخاري « 1 » . فغضبها هذا رضي اللّه تعالى عنها لا يؤثّر على النبي صلّى اللّه عليه واله ، ولا يوجب له إذاية ، لأن الصدّيق كان بارّا في عمله ، مطيعا للّه ولرسوله ، عاملا بما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وحكم به « 2 » .

--> ( 1 ) . يذكر أن في صحيح البخاري 4 : 1549 و 6 : 2474 : « فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت ، . . . ولم يؤذن بها أبا بكر » صحيح مسلم 3 : 1380 وفيه : « دفنها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلّى عليها علي » صحيح ابن حبّان 11 : 153 ، الطبقات الكبرى 2 : 315 ، تاريخ المدينة 1 : 197 ، تاريخ الطبري 2 : 448 ، البداية والنهاية 5 : 306 وفيه : « عن عروة عن عائشة : فغضبت فاطمة وهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت » السيرة النبويّة لابن كثير 4 : 567 وفيه : « فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتّى ماتت ، رواه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر » مسند الشاميّين 4 : 198 ، سير أعلام النبلاء 2 : 121 ، الثقات 2 : 164 ، نصب الراية 2 : 360 . وفي الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 : 20 : « فقالت : أرأيتكما إن حدّثتكما حديثا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله تعرفانه وتفعلان به ؟ قالا : نعم ، قالت : نشدتكما اللّه ألم تسمعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يقول : « رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ قالا : نعم ، سمعناه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، قالت : فإني أشهد اللّه وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي صلّى اللّه عليه واله ، لأشكونّكما إليه ، فقال أبو بكر : أنا عائذ باللّه ، فقالت : واللّه لأدعون اللّه عليك في كل صلاة أصلّيها . فخرج أبو بكر يقول : لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي » . والهجران : القطيعة ( النهاية في غريب الحديث 4 : 42 ) . والهجران والتباعد والمباغضة بمعنى واحد . راجع القاموس المحيط 3 : 70 و 4 : 121 ، والصحاح 3 : 1268 . ( 2 ) . أمّا حديث « إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة » ففيه تأمّل نسجّله هاهنا : - - أوّلا : مخالفته لنصوص الكتاب كقوله تعالى : يُوصِيكُم اللَّه فِي أَوْلادِكُم لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الْأُنْثَيَيْن ( النساء : 11 ) وقوله تعالى : ولِلنِّساءِ نَصِيب مِمَّا تَرَك الْوالِدان والْأَقْرَبُون مِمَّا قَل مِنْه أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( النساء : 7 ) . والآيات مطلقة في بيان قانون الإرث والوارث ، واللفظ فيهما عام لا يجوز تخصيصه إلّا بدليل قاطع ، وهذا الخبر من أخبار الآحاد لا يوجب علما . ثانيا : أنّه مخالف لنصوص الكتاب الدالّة على حصول التوارث حتّى عند الأنبياء ، كقوله تعالى : فَهَب لِي مِن لَدُنْك وَلِيًّا * يَرِثُنِي ويَرِث مِن آل يَعْقُوب واجْعَلْه رَب رَضِيًّا ( مريم : 5 - 6 ) وقوله تعالى : ووَرِث سُلَيْمان داوُدَ ( النمل : 16 ) والآيات صريحة في وقوع التوارث . ولو قيل : إنّه يرث النبوّة ، فهو باطل من وجهين : الاوّل : أنّه قال : يرثني ويرث من آل يعقوب ، وليس كل آل يعقوب من الأنبياء . والثاني : أنّه لو كان النبي صلّى اللّه عليه واله يورّث النبوّة لأصبح كل بني آدم من الأنبياء ، ولصارت الزهراء وذرّيتها من الأنبياء على حدّ قولهم . ثالثا : السيرة العمليّة لبعض الصحابة تكذّب هذا الحديث . فقد روى البخاري 1 : 469 وغيره كالحاكم في المستدرك 3 : 99 « أن عمر أرسل عبد اللّه بن عمر ليستأذن من عائشة أن يدفن مع صاحبه ، فقالت عائشة : كنت أريده لنفسي . . . » فكيف يطلب عمر الدفن هناك والمكان بحسب قولهم صدقة لعامّة المسلمين ؟ ! وكيف تجعله عائشة لها ، أو تهب منه للخليفة لكي يدفن فيه ؟ ! مع أن زوجات النبي صلّى اللّه عليه واله لا يرثن ، ولم ترث واحدة منهن ، إذ ما تركه النبي صلّى اللّه عليه واله صدقة . رابعا : أن هذا الحديث خالفه أعلم الصحابة وأفقههم وباب مدينة علم النبي صلّى اللّه عليه واله ، قولا وفعلا ، ومطالبته مع الزهراء بفدك والعوالي وحقّهما من الإرث كاف في ذلك ؛ لقول النبي صلّى اللّه عليه واله « علي مع الحق والحق مع علي ، ولن يفترقا » تاريخ دمشق 42 : 449 ، تاريخ بغداد 14 : 322 ، البداية والنهاية 7 : 398 عن أبي سعيد وأم سلمة . ولقوله صلّى اللّه عليه واله : « اللّهم أدر الحق معه حيث دار » مستدرك الحاكم 3 : 135 وصحّحه ، تاريخ دمشق 30 : 63 ، مناقب الخوارزمي : 104 . ولقوله صلّى اللّه عليه واله : « علي الفاروق بين الحق والباطل » ميزان الاعتدال 1 : 188 ، لسان الميزان 1 : 469 ، مناقب الخوارزمي : 105 ، ينابيع المودّة 2 : 234 وقال : « رواه صاحب الفردوس » . خامسا : كما أن هذا الحديث خالفته سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة ، وهي التي يرضى اللّه لرضاها ويغضب لغضبها ، والمطهّرة بنص الكتاب ، ومعارضتها للحديث بقولها وفعلها مشهود . - - سادسا : أن بعض ما تركه النبي صلّى اللّه عليه واله كالدرع والسيف والعمامة والبغلة وغيرها ، أخذها علي عليه السّلام وبقيت عنده ، فكيف جاز لهم ترك ذلك عنده عليه السّلام وهي من تركة النبي صلّى اللّه عليه واله مع أنّه صلّى اللّه عليه واله قال : لا نورّث ؟ ! فإن أعطوها بعنوان الميراث فقد ناقضوا أنفسهم وأبطلوا دعواهم ، وإن أعطوها بعنوان الصدقة فالصدقة محرّمة على أهل البيت بالإجماع ، وإن تركوها فقد فرّطوا في صدقات المسلمين وضيّعوها . وإن قيل : أخذها علي عنوة ، فباطل ؛ لأنّها من الصدقات ، وهي محرّمة على أهل البيت ، فلم يبق إلّا أنّه عليه السّلام أخذها بعنوان الميراث . سابعا : المشهور أن فدك ليست من الميراث ، بل هي نحلة نحلها النبي صلّى اللّه عليه واله لفاطمة ، وهبة خالصة ، وهي من أموالها ، وكانت يدها عليها في حياة النبي صلّى اللّه عليه واله . فعن أبي سعيد الخدري قال : لمّا نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وآت ذَا الْقُرْبى حَقَّه ( الإسراء : 26 ) دعا فاطمة فأعطاها فدكا والعوالي وقال : « هذا قسم قسمه اللّه لك ولعقبك » . شواهد التنزيل للحاكم 1 : 441 و 443 عن أبان ، والدرّ المنثور 5 : 273 وقال : « أخرجه البزّار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري » انتهى . وعن ابن عباس قال : لمّا نزلت وآت ذَا الْقُرْبى حَقَّه أقطع رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله فاطمة فدكا . الدر المنثور 5 : 273 وقال : « أخرجه ابن مردويه » ، ومثله في شواهد التنزيل للحاكم 1 : 483 عن أبي سعيد ، وكذا في مناقب ابن مردويه : 196 رقم 270 . ففدك كانت هبة من النبي صلّى اللّه عليه واله لفاطمة وتحت يدها ، وأن اليد تدل على الملكية . ثم لو كانت فدك من الصدقات ، فكيف أقطعها عثمان لمروان بن الحكم خالصة له ؟ ! وبقيت عند ولده إلى زمن عمر بن عبد العزيز فردّها إلى ولد فاطمة . قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 5 : 129 : « عمر بن عبد العزيز أرجع فدكا إلى بني هاشم ، وقال : أنشدكم اللّه إنّي قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله » ، فعمر بن عبد العزيز يرى أن فدكا كانت لبني هاشم في زمن النبي صلّى اللّه عليه واله وليست من التركة ولا من أموال النبي صلّى اللّه عليه واله . وأصرح منه ما نقله في معجم البلدان 4 : 239 « إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله بالمدينة يأمره بردّ فدك إلى ولد فاطمة » ، وهذا وما تقدّم يدل على أنّها ليست من الصدقات في شيء .